الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

ذو القرنين وإدارة الموارد البشرية

قصة ذي القرنين والتجارب التي مرَّ بها – في الحقيقة – جمعت العديد من الأمور الإدارية بشكل مبدع وفريد، وصدق فيه قول الله تعالي: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف: 84] فقد آتاه الله من كل شيء سببًا، أي علمًا وطريقًا {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] أي أتبع العلم واتخذ الطريق، وهي نفس الصفة التي ذكرها الله لسليمان وداود عليهما السلام {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل: 15].

 

أتناول الآن منها جانبًا واحدًا وهو بعض مهام إدارة الموارد البشرية كالتالي:

١ – بيئة عمل جاذبة: أحد أهم مهام الموارد البشرية، والتي قد يغفل عنها الكثير هي جَعْل بيئة العمل بالمؤسسة جاذبة للمواهب والمتميزين، حتي يقبلوا على العمل بها، ولصنْع ذلك كان لذي القرنين العديد من الإجراءات، منها الثواب والتحفيز {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 88]، ومنها المشاركة في اتخاذ القرارات والتخطيط للأعمال {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [الكهف: 95] {قَالَ انْفُخُوا} ، {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96]، كما أنه أيضاً كان يتفقد الرعية شرقاً وغرباً، ويستمع لهم بنفسه، ويقف على مشاكلهم، بل يسارع في حلها، ولا يكتفي بتقارير مَن معه، فمتابعته ميدانية وعلى رأس العمل، أيضاً بيئة العمل بها أعلى درجات الشفافية والنزاهة، عندما عرضوا عليه مالاً مقابل بناء السد فرد عليهم قائلا: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: 95] وأغلق بابًا قد تدخل منه الرشوة أو يكون مقدمة للفساد، فالموظف العام لا يأخذ مقابلاً علي أداء مهامه، ولا على فعل ما يجب عليه فعله وما هو من صميم عمله.

فتلك هي البيئة المفعمة بالحيوية، والتي تجعل العمال والموهوبين يقبلون على العمل بالمؤسسات، ويختارون العمل بمؤسسة دون غيرها.

٢ – التقييم والثواب والعقاب: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 87، 88]، فقام بالتقييم أولاً، والوقوف على كل حالة على حدى، فلا بدَّ من معرفة الأفراد أولا، وتقييم مدى تحقيقهم لأهداف المؤسسة، وهذا التقييم وهذه المعرفة هي التي تمكن من الخطوة التالية وماذا بعد التقييم؟ ألا وهي الثواب والعقاب ذلكم المبدأ الهام الذي تحافظ به المؤسسات على العمال الموهوبين والكوادر المميزة، فليس المجتهد كالمهمل، ولا النشيط كالكسول، فالذي كان تقييمه أنه ظالم منحرف عن أهداف المنظمة، لا داعي من الإبقاء عليه بل وتجب معاقبته، أما الذي أصلح في مكانه وحقق أهدافه فجمع له ذو القرنين بين المكافأة المادية {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} [الكهف: 88] والمعنوية {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 88] فوضع ميثاقَاً واضحَاً لنظام الترقيات في العمل، بناء على تحقيق الأهداف.

٣- التدريب والتأهيل: مارس ذو القرنين أعلى أنواع التأهيل والتدريب لعماله، وهو ما يُسمي التدريب على رأس العمل، أو التدريب الميداني، وليس فقط مواد نظرية، فكان يشاركهم كل مراحل تنفيذ بناء السد {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [الكهف: 95] {قَالَ انْفُخُوا}، {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96]، وتلك البصمات في التأهيل لا تُنسى، بل وتُكسِبُ العمَّالَ أعلى أنواع المهارات.

إنَّ قصةَ ذي القرنين ملهمة إدارياً لأعلي مستوى، لذا أحثُّ نفسي والباحثين بمجال الإدارة على الإستفادة منها، والخروج بالدروس التي تنفع في الحياة العامة، حتى تكون الحياة بالقرآن معنىً لا شعارًا.

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد