الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

كورونا والوداع الحزين

جرت العادة وتعاليم الشرع توديع الميت، بتغسيله وتطييبه وتشييعه والصلاة عليه، ثم تعزية أهله ورعايتهم، (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) في مشهد تفاعلي مرتبط بتشريعات تكريم المؤمن، وجعل الحياة والممات لله سبحانه وتعالى، وفي لحظات توديع مشوبه بالألم والحزن مع الإيمان بقدر الله والرضا بحكمه.

آلمنا ما نشاهد ونسمع من قصص مؤلمة، يموت المصاب بكورونا في بيته، ثم لا يستطيع أحد الإقتراب من البيت أو تعزية أهل الميت، ولا زلت أتذكر ذلك الذي توفي في قرية، ولم يجد أحد يغسله ويكفنه ويصلي عليه إلّا ابنه وابن أخيه، ومن شدة هول المشهد وحجم الحسرة أغمي على ولده  بجنب القبر، وأصحاب القرية يتقطعون ألماً،  يتألمون لأنهم مكتوفي الأيدي يرغبون في المساعدة ويخافون من العدوى.

مشهد مصغر من مشاهد يوم القيامة لم يكن أحد يتصوره،  وإذا حدثت أحداً عنه قبل هذا لظن أنه ضرب من الخيال (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ*لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) سورة عبس.

وقد صف الله الموت بالمصيبة فقال (إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) فهو مصيبة مجردة، كيف إذا كان هذا الموت بهذا المشهد المخيف، فعندئذ نحن أمام مصيبة مركبة، وحزن وألم مضاعف.

حجم الخوف والحذر الذي خيم على النفوس فاق مشاعر الحب والتعاون، وإذا حق لنا توصيف المشهد بأنه نوع من أنواع أنانية الإنسان وحب الذات لن نكن مخطئين، وهذه الأنانية وحب الذات قد تكون محمودة ومشروعة هنا، لكن صداها المعنوي يضعنا أمام تفاهة الدنيا، وحقيقة الرحلة التي لا نعلم نهايتها ومشهدها الأخير.

وأريدك هنا أن تتخيل أنك أنت لا سمح الله المصاب، وقد تخلى عنك القريب والبعيد، وأخذوا جثتك ثم رموك في الحفرة، وهم يخافون منك، هرب أهلك منك، وقد ملئت قلوبهم حزن وألم لكن القرار النهائي لمعادلة الخوف والحب كان تغلبت جانب الخوف وتفضيل السلامة، فابتعدوا عنك وتركوك، ما الشيء الذي إن حملته انتميت له وفخرت به، رغم الألم والمرض والخوف والفزع، إنه اللحظات الصادقة مع الله، والصحف البيضاء الناصعة بالأعمال الصالحة، بغض النظر عن المشهد النهائي، سواء أكنت في جوف الحيتان في البحار، أو في بطون السباع، أم فريسة لكورنا اللعينة، فالتصفيات النهائية ماذا معك، وليس كيف رحلت؟

الذاتية وحب الذات ليست في منحها حطام الفانية بل في تكريمها وتحريرها من هذه الحمولة المثقلة، والقرآن جسد الذاتية بمعنى مختلف ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ..) ( مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) ( وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ).

( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ)  تأمل في اللام في ( لنفسه) التي تعبر عن قطع العلائق البشرية والتجرد للوقوف أمام الله بحمولتك أنت، العمل، والهداية، والتزكية، والمجاهدة صفات انت من يقوم بها، وهناك تقييم عام رباني لمستواك فيها..

 

 

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد