الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

مذكرات في زمن الكورونا: كورونا وقطع العلائق

تابعنا رئيس أعظم دولة في العالم حين يستثنى المساجد والكنائس من الحجر معلقاً ( نحن اليوم بحاجة للصلاة أكثر من أي وقت مضى)، وسمعنا تعليق السيناتور الذي قال( نحن نهوي ولا ندري إلى أين)، حالة الإستسلام البشري واللجوء للسماء مقصودة في هذه الجائحة، فالعالم تكبر وتجبر، وهناك حالة طغيان لدول العالم الأولى على حساب دول العالم الثالث، والبلاء حين ينزل يأخذ الكل.

على مستوى الفرد وعلى مستوى الدول، نحتاج نحدد علاقتنا بالأشياء حولنا وقيمتها في ذاتنا، فالصحابة رضي الله عنهم حين حددوا مكامن قوتهم في عددهم وعدتهم وقالوا ( لن نهزم اليوم من قلة) كادوا ينهزمون، قال تعالى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ }(التوبة: 25).

وحين استشهد سبعين صحابياً في غزوة أحد، وذرفت الدموع ودخلت المدينة في لحظة حزن عميقة، علق القرآن ( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) (166) ال عمران؛  وقال 🙁إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (140) آل عمران، فالأمر أعمق مما نتصور، والله يريد أن يمحص ويمتحن ويصطفي.

لا يرجو أحد البلاء، فالمؤمن يسأل الله العافية والخروج من هذه الرحلة بسلامة دين وعافية بدن، فمستوى الإيمان والصبر تغير وتبدل، لكن البلاء حين ينزل هناك قضية جوهرية يراد اظهارها، تتمثل في قطع العلائق وفحص مستويات نبضات القلب وتعلقاتها، ليس على المستوى الحسي بل على المستوى المعنوي، (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)َ (43) الأنعام..

ابتلى الله يعقوب عليه السلام في حبيبه يوسف وبكى حتى ابيضت عيناه وفقد بصره، خيم الحزن على قلبه، لكن الشكوى كانت لله (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (86) سورة يوسف. وقف النبي صلى الله عليه وسلم مشرفاً على مكة، يبكى على الأطلال، ويذرف دموع الوداع في لحظة نزوح وتهجير، 🙁وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ).

تنوعت مسببات الحزن والألم، وتعددت وسائل الخوف والقتل، لكنه صلى الله عليه وسلم قال جملته التي تعبر عن قطع العلائق وصدق التوكل ( إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ).

مأ أروعه من مشهد وما أجملها من لحظة تاريخية خالده، بعد سنوات حافلة بالإيذاء والتعذيب والسجن، تقول فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، انتهت المعركة، وتوقف الكرب والحزن، والتحقت روحه عليه الصلاة والسلام هناك في الملأ الأعلى مع جبريل عليه السلام..

أجمل ما في البلاء والحزن والكرب أنه مؤقت، وأجمل مافيه أن هناك جائزة منتظرة لمن فهم قواعد اللعبة، وأدرك كيف يسلك الطريق بمشعل الإيمان والصبر، وحسن التوكل مع العمل بالأسباب.

فحي على جنات عدن فإنها … منازلها الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى … وشطت به أوطانه فهو مغرم

وأي اغتراب فوق غربتنا التي … لها أضحت الأعداء فينا تحكم.

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد