الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

لماذا يجب علينا أن نتفائل؟

كانت بيئتي التي عشت فيها في المرحلة الدراسية محاطة بخليط من الأعراق والأديان، كنت أرى زملائي من النصارى يعيشون حياة مرفهة، مفعمة باللهو والأنشطة الترفيهية، ولم أرَ مايعكر صفو حياتهم هذه، وعلى الجانب الأخر كنت أرى أن المسلمين يعانون شتوى أنواع التحديات والمشكلات، فكنت دائماً اسأل نفسي لماذا؟! ألسنا مؤمنين؟! ألسنا على الجانب الصحيح؟! لماذا نُبتلى هكذا؟ حتى سألت أمام مسجدنا ذات مرة، لماذا يحدث هذا؟ فابتسم ابتسامة المؤمن الواثق؟ إن هؤلاء يحصدون نتائج أعمالهم الخيّرة في الدنيا، وذلك بعدل الله، فمن يعمل خيراً من مؤمن أو كافر فيجزى الخير به، فأمّا الكافر يُعجل له خيره في الدنيا، حتى إذا توفاه الله لا يبقَ له عند الله شئ، وتبقى سيئاته يُعاقب بها في الآخرة. وأما المؤمن على نقضيه، إذا عمل السيئات يُحاسب عليها في الدنيا، حتى إذا توفاه الله لم يبقَ إلاّ حسناته يجازى عليها خيراً في الآخرة.

وقد وجدت هذه المقاربة للإمام الغزالي رحمه الله في كتابه أحياء علوم الدين، ووجدت أيضاً مايدل عليها من الكتاب والسنة النبوية الشريفة.

يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النفيس(مدارج السالكين) إن الجنّة طيبة لا يدخلها إلّا الطيب، قال سبحانه يصف مشهد سلام الملائكة على أفواج المؤمنين الداخلين إلى الجنة سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خالدين (الزمر، 73)”. وبناءً على هذا المعنى لا بد أن يطهّر الله سبحانه عباده المؤمنين قبل دخولهم الجنة، ولكن السؤال، كيف يتم هذا التطهير، ومتى؟ يقول ابن القيم رحمه الله، إنّ هناك أربعة أنهار يطهّر الله به عبادة، ثلاثة منها في الدنيا، وواحد في الآخرة، وهي:

  1. التوبة النصوح: فعندما يتوب المؤمن توبة صادقة يتطهر بها من ذنوبة، والتوبة هذه لها شروط ثلاث، وهي الندم على مافات في الوقت الذي مضى، والإقلاع عن الذنب في الوقت الحالي، والعزم على العودة للذنب في المستقبل، ويضاف شرط رابع وهو إعادة الحقوق إلى أصحابها إذا كان الذنب يتعلق بحقوق العباد.
  2. الحسنات الماحيات: وهي اعمال الخير والبر التي يقوم بها المؤمن فيكفر الله بها خطاياه ، يقول الحقّ سبحانه إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ، (هود،114)“.
  3. المصائب الكفارات: وهي الإبتلاءات التي تصيب المؤمن خلال حياته، فيكفر الله بها خطاياه في الدنيا، وهو المحور الذي سنتحدث عنه اليوم.
  4. النار: وفي هذا النهر يُطهر الله به عبادة المؤمنين الذين توفوا على الإيمان، ولكن هناك معاصي لهم لا تزال بدون توبة. فيدخلوا النار إلى ماشاء الله، ثم يدخلون الجنة برحمة الله سبحانه.

والذي نريد أن نناقشه في مقالتنا هذه، إنّ الإبتلاءات التي تصيب المؤمن هي كفارة وتطهير له تحضيراً له للقاء الحق سبحانه. قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ رواه التِّرْمِذيُّ، ويقول المصطفى من يرد الله به خيراً يصب منه” . وقال قال النبي : “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، رواه الترمذي . وقال النبي : “ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطايا“. رواه البخاري ومسلم .

وأمّا الذين يقيمون على معصية الله ويمدهم الله بالنعم فاولئك مستدرجون من الله، قال سبحانه” سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم ان كيدي متين(الاعراف، 182،183)“. قال المصطفى “: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم” فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون(رواه الامام احمد).

على أن هذا ليس هو سبب الإبتلاء الوحيد، فمنها لرفعة الدرجات كالأنبياء والصالحون، ومنها للإختبار والإمتحان، ومنها لتكفير السيئات كم ورد معنا، فحكم الإبتلاء لا يلعمها إلّا الله، كما أن عاقبه المؤمن خير في الدنيا قبل الأخرة. وإذا عرفنا هذا فقد حُقَّ لنا أن نطمئن ونتفائل ونحسن الظن فرب الخير لا يأتي إلّا بالخير.

———————

صالح بن محمد خير الكعود
باحث وطالب في الدكتوراه في التنمية البشرية
الجامعة الإسلامية العالمية الماليزية

 

 

 

 

 

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد