الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

هدهد سليمان وقيم الإدارة الحكيمة

تتجلى أعظم قيم الإدارة في سورة النمل حيث طبق سيدنا سليمان عليه السلام أعظم قيم الإدارة وأنفعها في موقف الهدهد.

فالمشهور عند الإداريين أن مهام الإدارة الأساسية هي التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، يتفرع من كل منها مجموعة من النشاطات والقيم التي تحقق كل مهمة على حدى وتحقق التنسيق بينهم حتى تصل الإدارة إلى بغيتها وتحقق أهدافها، فالقارئ المتدبر لسورة النمل يجد أن سيدنا سليمان عليه السلام لم يكن فقط نبياً مرسلاً، ولا قائداً حكيماً حكم العالم أجمع، بل وهبه الله سبحانه وتعالى حنكة الإدارة بكل أركانها، وما وصل إليه العلم الحديث في الإدارة تمثل في موقف واحد لهذا القائد والإداري والنبي عليه السلام، فصدق فيه قول الله تعالى:

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (١٥)”، فتجلت مهارات التخطيط والتنظيم وتوزيع المهام في تكليف “ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ (٢٨)“، فالتكليف واضح وموثق ومكتوب، وكما يقولون في الإدارة أن ما ليس مكتوباً ليس موجوداً، وتتجلى أيضاً عملية التقييم والمحاسبة ووضوح لائحة العقاب.” لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ(٢١)”، وفيه أيضاً أن بيان العذر من الغياب يعفي من العقوبة. وفيها أيضاً ترك مجال للحوار وبيان الأعذار ومهارة الإستماع في حوالي خمس آيات يتحدث فيها الهدهد عن سبب غيابه، والقائد يستمع بتواضع ولم تستفزه كلمة أحطت بما لم تحط به “فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۢ بِنَبَإٖ يَقِينٍ (٢٢)”، وفيها أيضاً عدم التسرع بإصدار أحكام مسبقة وترى فيها عدم الإستخفاف بالمتحدث حتى لو كان هدهدا، وكذلك حسن استغلال الفرص المتاحة.

ولم يكتف القائد بسماع المعلومات بل أيضاً يختبر مصداقية المعلومات ويتبين مدى دقتها وذلك قبل اتخاذ القرار” قالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ (٢٧)” فلا يبنى قراراً إلا على معلومات دقيقة وموثقة وتمت مراجعتها وهي أيضاً نوع من الرقابة القبلية أو ما يسمى التقييم القبلي للقرارات .

وترى فيها أيضاً القائد الذي يركز نحو هدفه والذي كان واضحاً من البداية ووضع خطته بناء عليه ألا وهو دخول قوم سبأ في عبادة الله وعدم الإنحراف عن ذلك الهدف، فلم يقبل الهدية التي كان هدفها إبعاده عن هدفه والسير في طريق لم يكن بخطته، ونرى كذلك مبدأ الرقابة وحسن المتابعة وتفقد العمال “وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ (٢٠)”، ونرى كذلك مبدأ إداري أصيل وهو استغلال الطاقات وحسن توظيفها بل والدعوة للتنافس في سرعة وجودة أداء العمل والتحفيز علي ذلك “قالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ (٣٨)”.

وأخيراً وفي الختام نرى التواضع وعدم الغرور بما تحقق من إنجاز وإرجاع الفضل لله عز وجل “فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴿٤٠﴾”.

وهذه القيم الإدارية التي صاغها العلم الحديث في مجلدات كثيرة وأبحاث متعددة قد وفتها عدة آيات فقط، وهذا غيض من فيض كتاب الله تعالى الذي إن أحسنا تدبره نغنم بخيري الدنيا والآخرة من علوم نافعة وتطبيقات رائعة.

——————–

محمود عبد المحسن

كاتب وباحث

مستشار تطوير المؤسسات التعليمية

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد