الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

مذكرات في زمن الكورونا: غريزة البقاء والهروب من الموت

تحدث القرآن الكريم عن مصطلح الفرار النابع عن خطر الموت، ووصف حالة هروبنا منه حيث قال (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )(8) الجمعة.

هروبنا من فيروس كورونا وقبولنا بقيود صعبة تحد من حرياتنا، بفراق من نحب، وتعطيل عقود وأعمال، ووضع مقدرات دول ومكتسبات حضارات رهن لهذا الفيروس، كل ذلك تقديماً لداعي الخوف وتجسيداً للفرار من الموت.

غريزة البقاء هي إحدى مفارقات العقل أمام حتمية الموت، ولذا ينكر القرآن الكريم عمارة الأرض بدافع الخلود(وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (129) الشعراء، فالموت حقيقة عقلية، والبقاء غريزة فطرية.

يطاردنا ليلاً نهاراً، وجد فينا خلايا لتكاثره وبقائه، غريزة البقاء الفطرية دفعته لإلتهامنا، وكرنا وفرنا جانب آخر من جوانب غريزة بقائنا، فكلانا نحن وفيروس كورنا نسعى للبقاء وتجنب الفناء.

غريزة البقاء ليست فقط بشرية بل فطرية في كل المخلوقات، فقد خلد الله موقف النملة التي أدركت الخطر، وأرشدت قومها لدخول المساكن، ( حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (18) النمل.

عندما خلقنا الله لم يعدنا بالخلود في هذه البسيطة، ولم يهبنا ضمانات للسلامة، بل بين إن ذهابنا وإنقاصنا جزء من قدره الكوني ونوع من الإبتلاء، (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (155) سورة البقرة،  فالخوف والجوع، النقص، الموت والفناء، التحطيم، الصعق، الغرق عوامل ضرورية لكبح غريزة البقاء، ووسائل لنقل الروح إلى عالم مختلف، أبدي وسرمدي.

غريزة البقاء هي الدينمو المحرك لعنصر الحياة، وهي معيار التكاثر والتزاوج،  بها جسد الله انتماءنا لهذا الكوكب، لنحكي قصة البقاء بواقع الحال وليس بالمقال.

لا نرغب في الفناء، ونسعى للخلود، والله تعالى يعلم هذه الغريزة فهو من خلقها بداخلنا لذا وعدنا بجنة الخلد ودار السلام؛

(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (25) يونس. وبين أن هناك طريقاً واحداً للخلود؛ ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الحديد 12.

—————————–

د.عبدالمجيد العمري

باحث وكاتب يمني

التمويل والمصرفية الإسلامية

 

 

 

 

 

 

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد