الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

نشطاء في مجال رفع الضّغط

“القاتل الصّامت” ضغط الدّم ليس هو مجال حرفيّ هنا، والذي تعدّدت أسبابه في عصرنا المائج والهائج بالتّوتّر على جميع أصعدته، والذي يقيسه الأطبّاء عادة عن طريق تحديد كميّة الدّم التي يقوم القلب بضخّها وكميّة تدفّق الدّم في الشّرايين، ولكن حول  نمط وسلوك الواقع والحياة من حولنا، والتي هي مليئة ربّما بالمشاهدات المسموعة والمقروءة التي ما زالت تساهم في رفع ضغط الدّم للإنسان السّويّ، ولو أنّ مجتمعاتنا العربيّة تحظى بنشطاء ومؤهّلين بشهادات في تخصّص اسمه: كيف ترفع الضغط؟!

ولن أنسى قصّة أحد الأشخاص الذي دخل مع صديقه المستشفى لإجراء بعض الفحوصات، فسألته الممرّضة: هل تشكو من ارتفاع في ضغط الدّم؟ فردّ صديقه قائلاً: صديقي هذا متخصّص في رفع الضّغط!!

أصدقاؤنا الناشطين في مجال رفع الضّغط يتمتّعون في الغالب بالبرود والسّلبيّة في جانب، وفي المقابل هم من يتفنّنون في سرقة ووأد الفرحة والابتسامة والسّعادة من الآخرين.

والمراقب لصراعاتنا الدّينيّة والطّائفيّة والقبليّة وحتى الإقليميّة يجد أن مجالات النّشاط في جمعيّات رفع الضّغط في ظهور مستمرّ ومتسارع  مادام الصّراع الماديّ الهادم للقيم والمصالح العليا في تسارع طرديّ.

فشعوبنا العربيّة من السّهل أن تكون ضحيّة لاستفزاز الآخرين، واللّعب على وتر ثائرتهم؛ إذ الحقيقة أنّنا في مجتمع يتحكّم فيه هؤلاء النّاشطون بمشاعرنا وتصرّفاتنا ويجدون من خلاله سوقًا لسرقة ما تبقّى من العمر.

ولعلّ أكبر تجمّع يضمّ كيانًا للنّشطاء الحقيقيّين هو المكان الذي تُمارس فيه البيروقراطيّة فيه باسم تطبيق النّظام مرّة، وباسم المثاليّة المزيّفة مرّة أخرى، أو الممارسون لحقّ السّلطة الإداريّة على مَن دونهم بتعسّف أو تعنّت.

ولكنّ المشهد المبكي المطبق عليه ممارسات رفع ضغط الدّم اليوميّ واللّحظيّ السّكوت الدّوليّ والتّآمر الباطنيّ والعنصريّ على ما يجري على المضطهدين والمشرّدين والمظلومين والمنكوبين في سوريا وبورما، حتى إنّ الرّصد العدديّ الإخباريّ مــلّ فلا يجرؤ على الإفصاح؛ فأنهار الدّماء الجارية أبكت العيون وأدمت الجفون، وما زال الصّمت العالميّ والدّوليّ مطبّقًا قاعدة رفع ضغط الدّم، وكأنّ أرخص الدّماء دم الإنسان.

وأعتقد أنّ هؤلاء النّشطاء -خاصّة في رفع ضغط الدّم- لن يعيدوا الشّعوب للطّبيعة أو السّكينة، وسيركّزون على إقحامنا في أنانيّة المدنيّة الصارخة التي نحن من قرابينها.

———————————–

د. هاني بن عبدالله الملحم

كاتب وشاعر سعودي

دكتوراة في الفلسفة ومقارنة الأديان

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد