الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

مستقبل التعليم بعد كورونا آثار ونتائج

تكاد مقولة (أنا موجود على الإنترنت إذاً أنا موجود) تقترب من فرض نظريتها أسرع مما كنا نتوقع، فإحدى الآثار المترتبة على جائحة كورونا هي تلك التحولات الكبرى في مجال التعليم من صورته التقليدية إلى صورته الافتراضية أو ما يطلق عليه (التعليم عن بعد).

وفي هذا المقال سنلقي الضوء على الآثار المتوقعة لهذه التجربة، وحتى نوَفّي حديثنا حقه، علينا إلقاء الضوء على أثر هذا التحول على محاور العملية التعليمية كاملة المتعارف عليها بين التربويين بـ (4 M) وهي (المعلم والمتعلم والمنهج والمناخ)، وذلك بشيء من الإيجاز مع التأكيد على تفاوت الآثار من مرحلة لأخرى.

أولا: المعلم: فقد تيسرت له وسيلة توفر له أدوات تعليمية ووسائل لم تكن متاحة داخل الفصول التقليدية، كاستخدام الصور والفيديوهات والوسائل المساعدة، هذا بالإضافة إلى أنه لم يعد يحتاج للحركة الكثيرة في وسائل المواصلات وغيرها.

وبالنظر إلى تبعاته فقد زاد عليه عبء تدريب نفسه وتطويرها، وتحمل العودة لمقاعد الدراسة بغية تقوية البنية التدريبية المحصلة ليواكب المنظومة الجديدة للتعليم، فضلاً عن زيادة مدخلٍ نفسي جديد يتمثل في زيادة دوائر المراقبة لتشمل أولياء الأمور بشكل مباشر مع الطلاب والإدارة.

وسلبياً فقد فَقَدَ المعلم أداةً تعبيرية هامة، وهي استخدام لغة الجسد والإشارة والتواصل المباشر، وتزيد السلبية مع المراحل الدراسية الأولى مع عدم توفر منظومة متكاملة لتقييم الطالب عن بعد.

وبالجملة فقد اكتسب العاملون في الحقل التعليمي الكثير من المهارات العملية التي تطول فترة اكتسابها في إطار الظروف الطبيعية.

ثانياً: المتعلم: فالطالب الذي زادت الشكوى من انطوائيته داخل جدران فصله، قد توفرت له فرصة جيدة للمشاركة عن بعد، بينما عانى الكثير من الطلاب من نقصان الجوانب الإجتماعية والترفيهية والإحتكاك المباشر مع أقرانهم، وهذا التأثير قد يكون له انعكاس سلبي على نفسية الطالب الذي كان ينتقل إلى المدرسة يومياً ويلتقي بزملائه ومعلميه ويشارك العامل الفكري والعامل النفسي وتتشارك الحواس بالحركة الجسدية. فأطفال الصفوف الأولية سيقل استخدامهم للقلم وسيحرم من التواصل المباشر مع معلمته والإرتباط بها، كذلك سيتقلص التعلم بالحركة الذي يناسب مرحلته، فهو في ظل التعليم عن بعد يجلس مستمعاً بمشاركة محدودة على الأجهزة الإلكترونية بالساعات الطويلة حيث تلقي تلك الساعات أمام الأجهزة بظلالها السلبية على صحة الطالب سيما الأعين وتيبس المفاصل من طول الجلوس وغيرها من الأضرار.

وعلى صعيد الإيجابيات سيتمكّن الكثير من الطلاب من أدوات ٍعصرية جديدة ستفيده في مناحي الحياة، وتؤهله لمستقبل لن يكون له مكان فيه بدونها.

ثالثاً: المنهج: ففي حوار لي مع أستاذ في كلية الطب دار الحديث حول كوْن جزيئات كثيرة زاد تفعليها من خلال استخدام التكنولوجيا في التعليم عن بعد؛ حيث يمكنك في لحظات عرض فيديو عبر شاشة منظومة التعليم عن بعد، تشرح جسم الإنسان، وتلّون عظامه، وتحركها يمنة ويسرة في سهولة لم تكن موجودة من قبل، بينما قد يعاني أهل اللغة والمخارج من توصيل غايتهم في ظل احتياجهم للتواصل المباشر مع طلابهم.

رابعاً: المناخ: فالتغير الحاصل في المناخ التربوي بعد هذا التحول تغيراً جذرياً يحتاج إلى دراسة متأنية حتى نعالج آثاره؛ فالعلاقة بين المربي والمتربي ليست فقط وصول المعلومات واستكمال المناهج، بل التوجيه والنصح والإرشاد الذي يبنى على العلاقات الإنسانية التى قد تخفت تحت عجلات التكنولوجيا، وكذلك علاقات أعضاء هيئة التدريس بعضهم البعض من ناحية وبالإدارة من ناحية أخرى.

فيما يبدو أن التعليم عن بعد هو مستقبل التعليم لا محالة وعليه يجب علينا دراسة الآثار مبكراً ومحاولة، وضع حلول لها ونصيحتي للباحثين في ثلاث نقاط:

الأولى: محاولة وضع منظومة تربوية للتقويم الدراسي عن بعد تراعي جميع المراحل الدراسية وتوفر العدالة.

والثانية: حل معضلات الصفوف الأولية وفقدان التواصل المباشر مع المعلم.

والثالثة: إيجاد بديل عن نقصان الجوانب الإجتماعية الناتجة عن التعليم عن بعد.

———————

محمود عبد المحسن

كاتب وباحث

مستشار تطوير المؤسسات التعليمية

 

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد