الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

الفرق بين الحضارة والثقافة

التفريق بين الحضارة والثقافة أمر ليس باليسير لما بين الكلمتين من التداخل الذي يصعب فصله. لكن هذا لايمنع مقاربة تحاول أن تفصل بينهما فصلاً يمهد السبيل لدراسة دقيقة ومستوعبة. للأديب والمفكر المصري محمود شاكر كلام هام ودقيق في التفريق بين  كلمتي الحضارة والثقافة.

يقول: كل ما نسمّيه (حضارةً) مما تداولته أممُ الأرض منذ أقدم الأزمان دالٌّ على أن الحضارةَ بناء متكاملٌ، لاتستحقّه أمّةٌ إلا بعد أن تجتاز مراحلَ كثيرةً معقّدةَ التركيب، حتى تنتهي إلى أن يكون لأهلها سلطانٌ  كاملٌ على الفكر، وعلى العلم، وعلى عمارة الأرض، وعلى أسباب هذه العمارة من صناعةٍ وتجارة، وعلى أسباب كثيرة من القوّة، ترغم سائرَ الأمم على الأعتراف لها بالغلبة والسيادة. وإذا صحّ هذا -وهو صحيح إن شاء الله تعالى- فالذي لا شكّ فيه أن عالمنا نحن اليوم ليس له سلطانٌ كامل على هذه الأصول والشروط التي يستحقّ حائزها أن يسمّى ما هو فيه (حضارة)، والذي لا شكّ فيه أيضاً أن عالم الإستعمار الذي نصارعه، هو المستحقّ اليوم، وإلى أجلٍ محدود، أن يسمّى ما هو فيه(حضارة) لأنه يملك هذا السلطانَ على الفكر والعلم وعمارة الأرض وعلى الصناعة والتجارة، وعلى أسباب قوّة باغيةٍ، ترغم العالمَ على أن يعترف له بالغلبة والسيادة. ”

ويضيف الأستاذ شاكر بأن حضارة الأمّة مرتبةُ لاحقةٌ، مسبوقة بأساسٍ ترتبط به ارتباطاً لا فكاكَ منه البتّة. وبهذا الأساس يقع التمايز بين الحضارات، وبموجبه نَصِفُ حضارةً ما بأنها شريفةٌ وكريمة، وأخرى بأنها لئيمةُ المنبت، خسيسةُ الأصل. وهذا الأساس هو ما يسمى (الثقافة).

وتعريف الثقافة ليس بالسهل الميسور، إذ مفهوم الثقافة لا يكون إلا بعد مراحلَ متداخلةٍ، متطاولة الأزمان، اجتازها الشعبُ بعد مئات من فترات الإرتفاع والإنخفاض، والتقدم والتأخر، والحركة والسكون …  وثمة إختلافٌ بين الأمم في تحديد وتعريف الثقافة. لكن مع هذا الإختلاف نجدهم يضعون مميزات تميز ثقافة هذا الشعب من ذاك. وتكاد تنحصر هذه المميزات في العقائد والأخلاق والعادات والتقاليد والأفكار واللغة.

ولا شك في صحّة هذه المميزات من ناحية النظر المجرد، ولكنها مميزات مبعثرة. وقد أراد بعض الغربيين جمعها في سياق واحد فقال: إنّ ثقافةَ الشعب ودين الشعب مظهران مختلفان لشيء واحد، لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب. وقال أيضاً: إنّ السير إلى الإيمان الديني عن طريق الإجتذاب الثقافي ظاهرةٌ طبيعية مقبولة. وهو تعبير صحيح في جوهره يجمع هذه المميزات المبعثرة في إطار واحد. ويجعل تمييزَ ثقافةٍ من ثقافة واضحاً من خلال النظر في أصول التدين الذي هو فطرةٌ في طبيعة الإنسان، حامل الثقافة ومؤدّيها إلى من بعده.

—————————–

د. بشار بكور

كاتب وباحث سوري

متخصص في الدراسات الإسلامية

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد