الأثير الاخباري
موقع الأثير : لحظة بلحظة مع الحدث.

موقف المسلم من الأزمة الاقتصادية الحالية من وحي القرآن الكريم

 

لا يخفى على أحد الآن شده الظروف التي يمر المسلمون من نواحي عديدة لا سيما الإقتصادية منها في ظل استمرار أزمة كورونا في البلاد الإسلامية والعالمية، حيث تعطلت التجارة وتوقف الإنتاج وارتفقت نسبة البطالة وأعفي الكثير من الموظفين من أعمالهم لا سيما في القطاع الخاص، ولا ريب إنّه إختبار وإبتلاء من الله سبحانه لنا، ومن يحاول أن يفسر مايجري بمعزل عن الإرادة الإلهية فإنّه يجهل أمر دينه، فإن لله سنن لا تحول ولا تزول، ومن هذه السنن الإبتلاء بخيره وشره، وقد وعدنا الله في أكثر من مكان في القرآن الكريم إنّه سوف يبتلينا ويمحّصنا ويختبر صدق إيماننا، فقد قال عزوجل”( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)” وقال “(َأم حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)”. ومن المفيد استحضاره في ظل هذه الأزمة أحد قصص القرآن التي وُصفت فيها المواقف والمشاعر في غزورة الأحزاب(الخندق) وكانت إبتلاء وأمتحان وزلزال شديد للمؤمنين كما وصفه الرب جلَّ وعلا في سورة الأحزاب إذ قال”( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (“. والمهم هنا استذكاره كيف محّص الله بهذا البلاء المؤمنين؟! وكيف تم تصفية المؤمنين من المنافقين؟! وماذا كان الظن باللّه سبحانه من كل فريق؟! في هذه الغزوة أنقسم مجتمع المدينة المنورة إلى قسمين:

  1. معسكر المنافقين:

الذين فضح الله مافي قلوبهم وأظهر نفاقهم وكذب وعودهم وزيف أدعائهم، إذ وثُّق موقفهم في كتاب الله، حيث قالوا:” وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا “.

  1. معسكر المؤمنين:

الذين صدّقوا وعد الله ورسوله بأنّهم سيمتحنون ويبتلون، فأمنوا وسلُموا، فُخلّد موقفهم التاريخي، قال جلّ في علاه مثنياً على صبرهم وصدق أيمانهم وتسليمهم:

“( ولَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) “.

ومن الجدير ذكره أن قصص القرآن ترد للإعتبار وأخذ الحكم والفوائد، والسؤال ماهو موقف المسلم المستخلص من هذه القصة في خضم هذه الأزمة؟ يجب أن ينطلق موقف المسلم من نقاط أهمها:

  1. ماالغاية من العبادة؟! هل يعبد الله على مصلحه ومنفعه؟ أم يُعبد الله على أيمان وتسليم ورضا لحكمته وتدبيره؟! قال سبحانه ذاماً مسلك الذين يعبدون الله في السراء فقط، وإذا أصابتهم مصيبة تغير موقفهم وبان معدنهم وانكشف كذبهم: “(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)”، فحذار أخي المسلم أن تسلك مسلك هؤلاء، فإنّهم عبّاد مصلحه ومنفعه.
  2. أن نحسن الظن باللّه سبحانه مهما أصابنا، فابتلاء الله لحكمه ومصلحة، وليس من دون غاية كما يعتقد الجهلاء، فما يكاد يذكر الإبتلاء إلا ويذكر العلة والسبب، (لعلهم يذكرون) أو (لعلهم يرجعون) أو (لعلهم يتضرعون)…الخ، فللإبتلاء حكم وأسباب قد تظر للمسلم وقد لا تظهر، والواجب التسليم لأمر الله ولحكمته والرضا بقدرة، فقال سبحانه “فما ظنّكم برب العالمين” وقال “وتظنون باللّه الظنونا”.
  3. نشر التفاؤل والطمانينة بين المجتمع المسلّم وعدم اليأس من رحمه الله، قال جلّ في علاه: {وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ}[يوسف:87]. والإبتعاد عن المرجفين والمحبطين، بل التصدي لهم بكل الوسائل الممكنة.
  4. إنّها فتنة وإبتلاء وامتحان من الله، وإنّها لا تدوم، وأن اليسر يتبعها ولا بد، وعد من الله، وليس لسنة الله تبديلا وليس لسنة الله تحويلا، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «وإن الْفَرَجَ مع الْكَرْبِ وإن مع الْعُسْرِ يُسْراً» رواه أحمد. كما جاء في الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه:( لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين).

————————

صالح بن محمد خير الكعود
باحث وطالب دكتوراه في التنمية البشرية
الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا

 

 

 

اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل جديد منا أول بأول
تأكد من صندوق البريد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد